أود أن أقر في البدء دون أدنى تردد، أنني ترددت كثيرا في التفكير بصوت مرتفع لاقتسام هذا المقال مع بني بلدي، لما يمكن أن يكون له من تبعات محرجة لأطراف مختلفة. إلا أن تشبثي الوجودي بحريتي المعنوية، الذي رافقني دون أدنى استثناء طيلة حياتي والذي أعتبره من أرقى أسباب اعتزازي بمغربيتي، كان أقوى من أي اعتبار، من كل اعتبار.

يعيش العالم منذ ما يقارب أربعة أشهر على الوقع المدوي المزلزل لبروز فيروس كورونا بشكل مؤكد في يوهان (11 مليون نسمة) عاصمة إقليم هوباي (60 مليون نسمة) في وسط شرق بلاد الصين، أياما قليلة قبل بداية السنة الجديدة.

العالم بقواه العظمى ذات القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية والنووية والمخابراتية والسياسية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، ينحني اليوم مهزوما مكلوما تائها أمام القوة الضاربة ل …. فيروس مجهري فائق الصغر، لا تراه العين المجردة، تقادفته الأيدي والأفواه البشرية عبر أمواج ورياح العولمة النفاثة النافذة لكل الحدود حتى انتشر عبر كل أطراف العالم كالنار في الهشيم.

العالم بقواه العظمى يحصي أمواته اليوم بعشرات الآلاف وخساراته الاقتصادية والمالية والاجتماعية بآلاف الملايير من الدولارات وعشرات الملايين من العاطلين وملايين الشركات المفلسة بفعل الملازمة الإجبارية للبيوت درءا للعدوى القاتلة.

ثلاث استنتاجات تفرض نفسها بحدة أمام مخلفات تسونامي كورونا الجارف :
1- تبين لكل العالم أن القوى العظمى مهما بلغت من قوة في كل المجالات فإن فيروس كورونا قد عرى على ضعفها الكبير وهشاشتها المخجلة مما يفتح المجال لأسئلة عريضة عن مدى مصداقية سلطة هذه الدول وشرعية بسطها لنفوذها الأرعن الأجوف على كل أطراف العالم وأعناق ملايير سكانه الذين لم يختاروها ولم يصوتوا عليها أبدا لا بشكل مباشر ولا غير مباشر لكي تمارس عليهم هذه السلطة العبثية التي ظنت أنها مانعتها من …. فيروس مجهري.

2- تبين أنه كانت هناك أخطاء قاتلة للصين على مستوى انفلات الفيروس من بين جدران مختبراتها أو خفافيش أسواقها مما جعله يجتاح العالم عوض أن تتكثف كل الجهود والطاقات الصينية أولا ثم جهود الدول العظمى الأخرى في حينها دون أي كبرياء تافه ولا استخفاف رديء أمام خطورة الوضع، من أجل كبح جماحه وحصره في إقليم هوباي. لقد كان كافيا أن يكون هناك احتمال ولو ضئيل جدا أن ينتشر الفيروس خارج حدود الصين ويفتك بأرواح ومصالح غير صينية لكي يصبح إشراك كل دول العالم في مجهود التحكم في الوضع من بدايته داخل حدود الصين ضرورة أخلاقية ملحة ومستعجلة. مثلما أنه ارتكبت أخطاء تقديرية قاتلة لدى عدد من الدول العظمى لما انسل الفيروس من الحدود الصينية إذ لم تتناول احتمال انتشار الوباء عندها وفي محيطها المباشر بالجدية الضرورية لتفادي ما آلت إليه الأمور في بلدانها وعبر العالم.

3- تبين أنه دون احتساب الخسائر البشرية التي لا يمكن أن تعوض بأي ثمن، فإن مستوى الخسائر الاقتصادية والمالية والاجتماعية للدول غير البترولية السائرة في طريق النمو ألنمو والأقل نموا، ومستوى حاجياتها المالية على الأقل لإعادة بناء ما ذهب أدراج الرياح بسرعة البرق، يفوق السيل الجارف من الدولار والأورو، وإلا فإن هذه الدول التي لا ذنب لها مطلقا في ما حل بها من جائحة بكل مخلفاتها وعواقبها، والتي تكابد المحن وتسابق الزمن من أجل نيل حظها من النمو والتقدم كحق مشروع لشعوبها، ستتوارى أكثر إلى الخلف لتضيع من جديد في متاهة التخلف والفقر وانسداد الآفاق.

وأمام هذه الاستنتاجات الثلاثة يمكن أن ننثر خيوط الاستشرافات الواجبة لعالم ما بعد تسونامي كورونا في المسارات الثلاثة التالية المتقاطعة والمكملة لبعضها :
1- أن عالم ما بعد كورونا من غير المقبول ولا المنطقي أن يكون كما كان عليه قبل هذه الجائحة، ليس فقط على مستوى القيمة المطلقة لكل دولة والقيمة النسبية لموازين القوى بين دول العالم في تطاحنها الذي لا يخفت على المراكز الأمامية للقيادة الاقتصادية والعلمية والغلبة السياسية والعسكرية، بل أيضا على مستوى معايير شرعية قيادة وحكامة العالم. فإن كانت الصين ستكون بدون منازع الرابح الأكبر من “معركة” كورونا المدمرة حيث ستتقاسم لا محالة الغلبة الاقتصادية الكونية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت مجموعة الإتحاد الأوروبي تنذر باحتمال الإنشطار بالنظر لفشلها الذريع في تدبير الأزمة ككيان يفترض أنه موحد، كما وبالنظر للشعبوية التي تتسلل إلى سائر جسدها كالمرض الخبيث وتنخره أكثر فأكثر، وإن كانت قوى أخرى ستلعب في نفس دائرة الصين والولايات المتحدة الأمريكية كاليابان وروسيا والهند وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرازيل وتركيا وكوريا الجنوبية ومجموعة الدول الإسكيندنافية، وإن كانت قوى أخرى ستخترق دائرة ثانية وثالثة، فإن الحكامة الكونية لا يجب أن تقوم على السبق الإقتصادي والعسكري وعولمة ثقافة الدولة أو الدولتين الغالبتين بقدر ما يجب أن تنبني على معايير وآليات وشرعية جديدة يمليها العمق الإنساني والوازع التعادلي والهاجس البيئي والتعايش الثقافي في إطار الإحتكام لحكومة كونية تحظى بالشرعية الديمقراطية وتصون القيم الكونية وتحترم الاختلافات الدينية والثقافية وتحرص على التوزيع العادل لمحصول ثروات العالم البترولية والغازية بين كل سكان العالم على شكل اقتطاع وتخصيص رسم من مبيعات هذه الثروات أقترح تسميته “رسم الكرامة البشرية”، حتى تجتث الفقر والجهل والمجاعة والأوبئة من كل دول العالم كحد أدنى للإنتماء الجماعي للجنس البشري وللحظارة الإنسانية بكل تراكماتها.

2- أنه لاعتبارات أخلاقية على الصين وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية أن تتعاضد فيما بينها في أقرب الآجال من أجل تمويل تعويض كل الخسائر والحاجيات الاستثمارية على شكل هبة غير قابلة للاسترداد، للدول غير البترولية التي تدخل في خانة الدول السائرة في طريق النمو أو الأقل نموا، المتضررة من تسونامي كورونا، وذلك عبر تكوين صندوقين تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي :

أ- “صندوق جبر الضرر” للتعويض عن الخسائر الاقتصادية والمالية والإجتماعية
وجدير بالذكر هنا أن بلدنا المغرب يتحمل منذ أن حلت به ظلما، هذه الفاجعة التي لم تكن له فيها أدنى مسؤولية بأي شكل من الأشكال، صرف أموال بملايير الدولارات من أجل إنقاذ أرواح شعبه أولا ثم من أجل ضمان الحد الأدنى من الكرامة لكل فرد من مجتمعه فقد السبيل الوحيد لرزقه، ثم من أجل إنقاذ بنياته الاقتصادية والمالية وتوازناته الاجتماعية. علما بأنه لولا الإستباق والحكمة والتدبير المتميز الذي أبان عنه جلالة الملك القائد الأعلى المباشر لتدبير هذه الجائحة لوصل البلد للإفلاس العام ولكان الموتى بعشرات الآلاف ولتبخرت كل جهود الحفاظ على بنيات اقتصاد طموح ومجتمع متضامن. هذا في الوقت الذي كان بلدنا في أمس الحاجة لصرف كل هذه الأموال في تمويل طموحاته الاقتصادية والاجتماعية المتعددة والملحة كما وإعداد الوسائل المالية الضرورية لتمويل نموذجه التنموي الجديد الذي يتطلع له الشعب المغربي قاطبة خلال الأشهر القليلة القادمة. مما يستوجب أن يتم تعويضه من هذا الصندوق عن كل الخسائر التي حلت به وبعثرت دون أي هامش اختيار، كل اولوياته وحاجياته وطموحاته الآنية والملحة.

ب- “صندوق تمويل الاستثمارات” الضرورية للدول المعنية وقطاعاتها الاقتصادية حتى تستطيع إعادة بناء نفسها بسرعة استثنائية من أجل الانخراط في الدينامية الاقتصادية العالمية المرتقبة والاستفاذة من الفرص التي ستتيحها على مستوى المبادلات التجارية بكل أصنافها. وإن لم يتم هذا فإن الدول غير البترولية السائرة في طريق النمو والأقل نموا ستغرق أكثر وإلى أجل غير معلوم، في غياهب المديونية القاتلة السالبة لحريتها في الاختيار واتخاد القرار ولحق شعوبها الطبيعي في الحياة الكريمة والرفه العام على غرار سائر الشعوب المتقدمة الأخرى.

وجدير بالذكر هنا أيضا أن الدول المعنية بتمويل الصندوقين معا قد خصصت لتمويل آثار جائحة كورونا على اقتصادياتها وتمويل إعادة الدينامية المأمولة لاقتصادياتها، عشرات الآلاف من ملايير الدولارات، نعم أؤكد أنها خصصت لذلك عشرات الآلاف من ملايير الدولارات، ومن تم فما الذي يمكن أن يثنيها عن ضخ ألف أو ألفين من هذه الآلاف من ملايير الدولارات من أجل الدعم الأخلاقي للدول غير البترولية السائرة في طريق النمو أو الأقل نموا المتضررة من جائحة كورونا ؟؟؟ خاصة وأن كل هذه الدول هي إما أسواق لسلعها أو منبع لبعض وارداتها مما يفرض عليها، من باب المصلحة الاقتصادية، أن تعمل على أن تستمر هذه الدول في القدرة على الإنتاج وعلى الإستهلاك.

3- أن العلاقات التجارية بين الدول يجب أن تقوم في حلة جديدة، على أنقاض “عولمة ضيزى” تبين أنها كانت وبالا حتى على منظريها الأولين أنفسهم. ومن شروط علاقات تجارية دولية عادلة ومنصفة :

أ- أن يتم أولا التخلي عن كل الشروط التي فرضها منطق العولمة الجائر من خلال ذراعه المنظمة العالمية للتجارة، والذي يقوم على عدم السماح بأي امتياز تفضيلي يمكن أن تمنحه الدول داخل حدودها أو لصالح إنتاجها المحلي على حساب استثمارات أو منتجات خارجية. إن من الإصلاحات الكبرى والعاجلة في هذا المجال أن تصبح المنظمة العالمية للتجارة آلية للتحكيم التجاري بين الدول تسهر من بين مهامها المستقبلية، على الإحترام المتبادل للإتفاقيات الثنائية أو الإقليمية أو الجهوية أو القارية الموقعة أو التي ستوقعها فيما بينها.

ب- أن تحصن كل دولة بيتها الاقتصادي والإجتماعي الداخلي بالاستثمار في حاجياتها الاستراتيجية سواء بإعطاء كل الإمتيازات للمستثمرين من أجل ذلك أو باستثمار مباشر من طرفها، وذلك من أجل تحقيق أعلى حد من الأمن الإستراتيجي في كل قطاعاتها الحيوية. إن الليبرالية المتوحشة التي تتغدى من منطق العلوم الرياضية البعيد كل البعد عن أي وازع إنساني، مختزلا البشرية في مجرد أرقام عصماء وأشكال هندسية عمياء ومعادلات حسابية جوفاء من أي حمولة نفسية واجتماعية واقتصادية وروحية، ليست شرط وجوب ولا ديانة منزلة من السماء لكي نضطر أن نكون حبيسي كل فضاعاتها وجشعها المتزايدين. إن هاجس كرامة وازدهار البشر فكريا وماديا يحتم علينا أن نستعمل الليبرالية المؤنسنة كعلبة أدوات كل ينهل ما يشاء من فضائلها الأكيدة المؤكدة، حسب قناعاته وحاجياته وقيمه وأولوياته وأهدافه في إطار بلوغ ذلك الهاجس النبيل.

ج- أن تعطي الدول الأولوية القصوى للاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية والجهوية و القارية العادلة والمتوازنة التي من شأنها أن يكون لها وقع “الإوز البرية” التي تطير في نفس الإتجاه على شكل أسراب متكثلة فتغطي كل مناطق عبورها عوض أن تخدم مصالح طرف واحد أو طرفين على حساب الفرقاء الآخرين. على التجارة الدولية أن تقوم على مبدء تبادل الإختلافات واقتناء هامش الحاجيات الإستراتيجية غير المنتجة محليا عوض أن تقوم على سياسة الإكتساح والواقعية الاقتصادية اللذين يدمران اقتصاديات دول باسم التنافسية الملغومة والمحبطة لكل جهد في بناء اقتصادات وطنية مدرة للشغل المكثف والقيمة المضافة محليا والرفاه الاجتماعي.

إنني موقن تمام اليقين، وإلا فسأكون حالما وساذجا، أن ولادة هذا العالم الجديد الذي تحلم به دول وشعوب عديدة عبر العالم والذي هو أرقى وأسمى ما يمكن أن تقدمه إنسانية اليوم لأجيالنا القادمة، لن تكون إلا قيصرية عبر عزم وحزم ومصداقية وتوحيد كلمة قيادات دولية متنورة تتميز بصفات رجالات الدولة بكل ما تحمله هذه الصفات من قيم إنسانية راقية وإيثار متجذر لمصالح الوطن والشعب وكفاءة في الإستباق والتدبير وحكمة وروية في اتخاد القرارات وآمال مثلى ومتجددة لمستقبل بني البلد وللبشرية جمعاء ودفاع عن القضايا العادلة عبر العالم.

لقد انكشف للعالم مرة أخرى من خلال استباق ومقاربة وتدبير جائحة كورونا أن ملك المغرب بكل نزاهة فكرية وموضوعية، يتحلى بأسمى صفات رجل الدولة المتميز محليا وقاريا ودوليا مما يمنحه دون أدنى منازع، كامل الشرعية التي تخوله بأن يلعب دورا قياديا بارزا، إلى جانب قادة دول متميزين آخرين، في الولادة القيصرية لمشروع العالم الجديد الذي يرنو له العالم لمستقبل ما بعد كورونا الذي نأمله قريبا جدا حتى تنقشع الغمة وينهض بنو البشر لبناء هذا الحلم المشترك الجديد.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici