من أجل مشروع وطني للخمس سنوات القادمة يروم تحويل الإكراهات إلى فرص والطاقات إلى مخصب للنمو الاقتصادي وسلم للارتقاء الاجتماعي

نجيب ميكو
خبير في الدراسات الاستشرافية والاستراتيجية

إن الأهمية الحيوية للإقتصاد التضامني التي تم إبرازها والإلحاح عليها منذ ما يتجاوز العشر سنوات الآن، لم تزدها التطورات الأخيرة إلا راهنية وتأكيدا. ذلك أن الآثار الإجتماعية والاقتصادية الكارثية لجائحة كورونا على بلدنا قد رفعت الستار عن مستوى هشاشتنا الإجتماعية الذي كان من بين تعبيراته القوية عدد الأسر المستفيدة من الدعم المالي العمومي جراء فقدان الدخل أوالشغل، كما وعن ضحالة إقتصادنا التضامني الذي رغم كل مؤهلاته الضخمة والمتنوعة وكفاءاته العالية والمتجدرة لا زال بعيدا على أن يشكل حزام الكرامة والأمان الفعليين لملايين المواطنين المعنيين به، فما بالك أن يشكل إحدى الرافعات التي يمكن المراهنة عليها للدفع بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلدنا نحو المستوى الواجب.
إنه بقدر ما أصبح اعتبار الإقتصاد التضامني محركا من بين محركات الدفع بقاطرة اقتصادنا الوطني، بمثابة تحصيل حاصل تم بشأنها اليوم إجماع بين مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين بعد مرحلة شابها الشك والاستغراب، بقدر ما يتضح أن طريق إنزال هذه القناعة الجامعة، من القوة إلى الفعل، لا زال طويلا أمام غياب تبلور رؤية ابتكارية طموحة ونوعية تنقل هذا الإقتصاد من المنطق الحسابي الكمي التراكمي البطيء ذي الهدف المعيشي إلى المنطق الهندسي الكيفي ذي الوثبات السريعة والأثر الإقتصادي الكبير، وذلك رغم ما يقتضيه الوضع الإجتماعي الضاغط وما تستوجبه الطموحات الإقتصادية المشروعة من مسابقة للزمن حتى يتسنى الدفع بهذا الإقتصاد بالوثيرة الضرورية لكي يضطلع بدوره كاملا في ضخ الجرعة المضافة المطلوبة القمينة بجعله مخصبا لنسبة النمو الإقتصادي الضعيفة في بلدنا وسلما للارتقاء الاجتماعي والإقتصادي لشرائح واسعة من مواطنينا في البادية والمدينة على حد سواء.

1- الاقتصاد التضامني مؤهلات بشرية وطبيعية ضخمة وانتشار جغرافي في كل الجهات وأدوار متعددة

إن الإقتصاد التضامني حاضر في البادية عبر منتجات الفلاحة المعيشية والمنتجات المجالية ومختلف تشكلات الصناعة التقليدية المرتبطة بالمنتوج القروي بشكل عام. كما أنه حاضر في المدينة عبر الصناعة التقليدية الحضرية وكل المهن المعيشية التي يحترفها فرد أو أسرة أو مجموعة من الأفراد والتي تدخل في خانة التشغيل الذاتي أو الورشة النووية أو الصغيرة جدا.
أما من حيث مؤهلاته فهي لا تقل شساعة وتنوعا حيث يزخر القطاع بملايين الأطنان من الخضر والفواكه المعيشية وزيت الأركان والزيتون وزيت الزيتون والتين والحبوب والأعشاب وزيوت الأعشاب والصبار والتمور والزعفران واللوز والعسل والحليب والصوف والطين والغاسول وكل المنتجات المشتقة منها والنحاس والفضة والخشب والجلد والفخار بشتى أنواعهم، وما إلى ذلك من منتجات ذات التنوع الغزير والأصالة المميزة والخصوصية الجهوية لكل جهة من جهات المملكة من جبال وتلال وهضاب الريف الزاخرة بالصبار واللوز والعسل والأعشاب الطبية إلى أعماق أقاليمنا الصحراوية الجنوبية الزاخرة بالكسكس الخماسي والصبار وحليب الناقة والبخور والأعشاب، مرورا بالمدن العتيقة بفاس ومكناس وميدلت وأزرو ووزان والرباط وسلا ومراكش والصويرة وآسفي وتارودانت التي تزخر جميعها وغيرها الكثير، من بين ما تزخر به من مختلف منتجات الصناعة التقليدية الشديدة التنوع والمتميزة والضاربة في أعماق التاريخ.
على أن القاسم المشترك الأساسي بين كل هذه المنتجات هو كونها كلها وطنية وقابلة للتحويل إلى كثير من المشتقات، مثلما أن العدد الأوفر منها غير معرض للتلف على المدى القصير وغير مرتبط بنيويا بوفرة الأمطار. وإن هذا الغنى الباهر لاقتصادنا التضامني لا تضاهيه إلا كفاءة واحترافية ملايين النساء والرجال المغاربة على حد سواء، عبر كل الجهات، الذين توارثوا عبر الأجيال والقرون، معرفة وطنية راسخة ومتجدرة وقدرة على خلق القيمة المضافة بوسائل تقليدية بسيطة ولكن بكثير من الذوق والتميز والإبداع.

* ثقل اقتصادي يجعل منه الذهب البني للمغرب

وإنني لن أكون مجازفا إن قلت إن ما يتجاوز 90% من كل هذه المؤهلات والأنشطة والطاقات تشتغل في إطار غير مهيكل مما يجعل من الصعب تحديد نسبة ما تمثله في الدخل الوطني الخام ولا نسبة ما تشغله من يد عاملة. إلا أن استقراء ميدانيا لواقع الإقتصاد الذي لامسته عن قرب كبير عبر مجموع جهات المملكة وعلى مدى عدة سنوات، يجعلني أؤكد أنه يتجاوز 20% من الدخل الوطني الخام ويشغل ما يناهز 5 ملايين مواطن ومواطنة ويشكل مورد رزق أكثر من ثلاث ملايين أسرة في البادية والمدينة. كما يجعلني أؤكد من جديد أنه اقتصاد حيوي واستراتيجي بكل المقاييس، اقتصاد الذهب البني (نسبة للون تراب الأرض التي هي المنبع الأساسي لكل منتجاته) المتجدد والقابل للتكاثر القوي عبر توسيع فضاءات الإنتاج أو تحسين وتحديث وسائل الإنتاج، اقتصاد متعدد الأدوار والمهام الإقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، اقتصاد خزان حقيقي لا ينضب بفرص شغل جد مكثفة وقدرة على إنتاج دخل قار ومنصف ومستمر وقدرة على تحقيق لاكتفاء ذاتي من منتجات استهلاكية عديدة وقدرة فعلية على التصدير النوعي المكثف لأنه جد مرغوب دوليا.

2- معالم رؤية ابتكارية تحول الاقتصاد التضامني إلى محرك فعال لقاطرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية

إذا كان بلدنا قد استثمر الكثير من الجهد المالي والبشري في قطاعات متعددة من الإقتصاد التضامني ولم نتوصل بعد إلى أن نرقى بهذا الإقتصاد إلى جعله أحد المحركات الجمة للدفع بقاطرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية نحو الطموحات المرجوة، فإن المشكل لا يكمن لا في الطاقات البشرية حتى لا نبخص الناس جهدهم المضني، ولا في مستوى الاستثمارات المالية التي تم ضخها حتى لا نبخص الجهد العمومي الضخم بعشرات الملايير من الدراهم على مدى السنين ونتعلل بشح افتراضي للموارد، ولا فقط في كونه غير مهيكل، بل في أمر واحد أوحد يعد قطب الرحى فيما نحن بصدده، يكمن في غياب رؤية جديدة مبتكرة تحل محل قناعاتنا الراسخة التي أبان واقعنا عن محدوديتها وعن قلة فعاليتها.
إن التحدي اليوم هو أن ننتقل بالاقتصاد التضامني من رؤية معيشية اجتماعية صرفة إلى رؤية إنتاجية اقتصادية رائدة، من مقاربة الفرد والتعاونية كمخاطب إلى مقاربة الورشة التثمينية والشركة التعاضدية والتجارية، من منطق المساعدة على تمويل مستلزمات الإنتاج إلى منطق تعاضد المشتريات من أجل تحسين ثمن التكلفة واقتناء أحسن جودة والإستفاذة من إئتمان المزود والرفع من التنافسية، من قناعة وجوب الإعتماد على الذات في الإنتاج والتسويق واقتحام الأسواق الدولية من طرف منتجين صغار عديمي المعرفة بخبايا هذه الأمور، قناعة تتغذى من ليبرالية مرتهلة وإقصائية بالنسبة لهذا النوع من الإقتصاد والتي تهدي من خلال التشبث بها، عصارة جهد الفاعلين المباشرين فيه والجهد العمومي المالي والبشري على طبق من ذهب للوساطات السلبية السالبة، إلى قناعة الشراكة والتحسين البنيوي للكفاءات وللدخل وتوزيع ذكي وواقعي للأدوار والمسؤوليات في إطار اقتصاد سوق اجتماعي تضامني تنافسي عصري يوضح رؤية المستقبل لفاعليه ويحصن كرامتهم ويدعم السكينة الإجتماعية ويفتح آفاق وفرص جديدة وقوية لاقتصادنا الوطني.

* ثورة صناعية في البادية والمدينة لتحديث الإقتصاد التضامني خلال الخمس سنوات القادمة

إنني أتطلع لأن تتحقق ثورة صناعية في البادية المغربية قوامها نساؤها ورجالها ومؤهلاتها الإنتاجية التي تزخر بها، التي يجب ان تنصهر جميعها في ورشات محلية جامعة ومتعددة الإختصاصات ومصادق على بنياتها وآلياتها ونظام جودتها، تشكل منصة للإنتاج ولتبادل الخبرات بين المنخرطين فيها من منتجين صغار وتعاونيات ومجموعات ذات النفع الاقتصادي، ولتكوينهم عن بعد عبر “شبكات افتراضية تضامنية”، وللتثمين والتعبئة حسب برامج تجارية مضبوطة تواكب متطلبات الأسواق الوطنية والدولية التي يجب أن تضطلع بها شركات مساهمة تعاضدية-تجارية خصوصية أفقية عبر مختلف الجهات، تستجيب لشروط الإحترافية والكفاءة والحكامة ويكون من بين مهامها أن تضطلع بتعاضد مشتريات وسائل الإنتاج لكل الورشات المنخرطة فيها وبتعاضد التسويق وطنيا عبر فضاءات تجارية متخصصة ومتاجر ذات الامتياز ومواقع إلكترونية وفضاءات التخزين والتوزيع لزبائن هذه المواقع ولزبناء الطلبيات الكبرى من صناعات غذائية ومصانع مواد التجميل والمختبرات الطبية، على سبيل العد لا الحصر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن صناعاتنا الغذائية الوطنية تعاني الأمرين من أجل التزود بالمنتجات الأولية المتوفرة في سوقنا الداخلية بسبب المضاربين والوساطات السلبية التي ترفع من قيمة هذه المنتجات الشيء الذي يضعف تنافسيتها ويجبر صناعاتنا على الإغلاق أو التزود من السوق الدولية على حساب منتجاتنا الوطنية المتوفرة. مما يدفع فلاحينا الصغار إلى التخلي عن إنتاج هذه المنتجات الضرورية لصناعاتنا والتي كانت هي مورد رزقهم.
كما ستتكفل الشركات التعاضدية والتجارية بالتسويق دوليا عبر المتاجر المتخصصة، والفضاءات التجارية المتخصصة في التجارة الطبيعية أو المنصفة، والمساحات التجارية الكبرى، ومصانع مواد التجميل، والمختبرات الطبية، وفضاءات التجارة الإلكترونية، وبورصة للتسويق المباشر لأصحاب الطلبيات الكبرى، مع توقيع تعاقدات مع مكاتب دولية لمراقبة الجودة ومع فضاءات التخزين والتوزيع الدولية التي من شأنها أن تساهم بشكل كبير في الرفع من احترافية ومصداقية التسويق على المستوى الدولي وفي تخفيض تكلفة النقل والتوزيع للزبون النهائي التي تشكل اليوم حاجزا منيعا أمام تسويق سلس بأسعار تنافسية.

* المنتج الصغير والجهات والصناعات الغذائية والاقتصاد الوطني المستفيدون البارزون من الرؤية المقترحة

علما بأن النموذج التجاري الذي تقوم عليه هذه الرؤية ينبني على أن يمتلك كل المنتجين المنخرطين في الشركات التعاضدية التجارية، سواء كانوا فرادى أو تعاونيات أو غيرها من أشكال التكثل التضامني، عبر الورشات المحلية التي ينتجون فيها، على الأقل حصة المراقبة في رأسمالها مما يفسح المجال لمستثمرين وطنيين ودوليين حاملين لقيمة مضافة استثمارية أو إنتاجية أو تسويقة، أن يساهموا في رأسمالها مما سيدعم شوكتها واحترافيتها وفرصها التسويقية.
إننا هنا أمام نظام متكامل “Écosystème” ومدمج يقوم على إنتاج وطني صرف وعلى كفاءة وطنية في مختلف حلقاته، نظام يتميز بكونه يكلف في تدبيره صفر درهم للتعاونية وصفر درهم للدولة وصفر درهم للشركات التعاضدية التجارية إذ يتحمل تمويله المستهلك المباشر كاملا ولكن عن طريق أسعار عادلة، نظام يقصي الوساطات السلبية الإنتهازية والمثبطة ومن تم يقاوم استغلال المنتجين الصغار ويفتح لهم مشرعة، أبواب الكرامة الإجتماعية وسلاليم الإرتقاء الإقتصادي والإجتماعي ويمنحهم كل مقومات الإستقرار في محيطهم السكني كجنود المحافظة على البيئة. كما يستجيب لانتظارات المستهلك والمصنع الوطني والدولي في الحصول على منتجات أصيلة ومتنوعة ومتميزة وذات جودة عالية وبأسعار عادلة. كما سيسمح بإدماج كل أنشطة هذا الإقتصاد في الاقتصاد المهيكل بسلاسة ورغبة.
إنني أتطلع أيضا إلى نفس المقاربة بالنسبة لروافد الصناعة التقليدية في البادية والمدينة ولكل الأنشطة التي سبق أن أحصيتها في عداد الإقتصاد التضامني.
إنني واع تمام الوعي أن كل هذا الذي أقترحه، إلى جانب كل ما يمكن أن ينضاف إليه ويغنيه وينقحه من الذكاء والإبتكار المغربي المتميز، ليس بهين التفعيل، بل إنني أقر أنه معقد وصعب مما يتطلب إرادة سياسية قوية وطاقم قيادة وتتبع مشهود له بالكفاءة والتجربة في مختلف الإختصاصات المعنية وتنظيما محكما ونفسا طويلا. ولدي كامل القناعة واليقين أن بلدنا يتوفر على كل هذه المتطلبات وأنه قادر على رفع التحديات وإنجاح الثورة الصناعية والتجارية المنشودة في الاقتصاد التضامني وتحويله خلال الخمس سنوات القادمة من اقتصاد معيشي مكلف ورهين بالمساعدات إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي ربحي متطور قادر على تزويد السوق الوطنية بكل حاجياتها منه وعلى اقتحام الأسواق الدولية وأخذ نصيبه الكبير منها.

* المشروع الملكي للتغطية الإجتماعية دعامة مهيكلة للاقتصاد التضامني

إن المشروع الملكي الجديد بخصوص التغطية الإجتماعية الشاملة في أفق الخمس سنوات القادمة، ليعد بدون منازع لبنة حاسمة وفارقة في اتجاه تزويد الإقتصاد التضامني برمته ببوابة محفزة وأساسية للإنخراط في الإقتصاد المهيكل وآلية لتحصين الكرامة والإستشراف الإيجابي للمستقبل، علما بأن الفاعلين في القطاع سيكونون مؤهلين ماديا لتحمل مساهماتهم في التغطية الإجتماعية من خلال نتاج مبيعاتهم في إطار الرؤية الجديدة المقترحة المرجوة.

* “السوق التضامنية” لمؤسسة محمد الخامس للتضامن نموذج ينير الطريق للدولة والخواص

كما أن نموذج “السوق التضامنية” بالدار البيضاء الذي أنشأته منذ بضع سنوات مؤسسة محمد الخامس للتضامن والذي يعرف نجاحا باهرا من شأنه أن يقوي حتما فرص فتح أسواق جديدة في عدة مدن على المدى القريب جدا من طرف المؤسسة، لكفيل هو أيضا أن يوضح الرؤية ويفتح المسار أمام القرار الحكومي والفاعلين الإقتصاديين لكي ينصب قسط كبير من الإهتمام والجهد في اتجاه الإقتصاد التضامني بنظرة ابتكارية جريئة ومقاربة محينة ووثيرة تفعيل عالية.

3- مقاربة تمويلية جديدة لمواكبة الرؤية الابتكارية الجديدة للاقتصاد التضامني

إن تمويل الفاعلين في الإقتصاد التضامني في شكله الحالي يعد لحد اليوم مخاطرة لا يتحمل نصيبا منها إلا بنك القرض الفلاحي كبنك عمومي وبعض من ممولي القروض الصغيرة جدا.
وإن السبب الرئيسي وراء هذه المخاطرة يعود إلى عدم قدرة نسبة عالية جدا من المستفيدين على أداء الدين على الأقل في موعد استحقاقه نتيجة عدم قدرتهم على تسويق منتجاتهم كشرط واجب الوجود لذلك.
ومن تم فإن التحول البنيوي المقترح اليوم في الرؤية والمقاربة بشأن الإقتصاد التضامني برمته، سيكون من نتائجه المباشرة تجاوز هذا الحاجز الكبير وانفتاح الابناك الوطنية على هذا الإقتصاد الضخم.

* مقاربة ثلاثية الأطراف لتحصين تمويل الفاعلين

وهنا أيضا لا أمنع نفسي من أن أتطلع لأن تتبلو رؤية مبتكرة في مجال تمويل حاجيات الإقتصاد التضامني، تواكب الرؤية الاقتصادية المأمولة وتقوم على منطق جديد يكمن في تحويل معادلة التمويل الحالية المحدودة الفعالية، من منطق العلاقة الثنائية بين الفلاح الصغير أو التعاونية او المجموعة ذات النفع الإقتصادي من جهة والبنك أو مؤسسات تمويل القروض الصغرى جدا من جهة أخرى، التي تحد من فعاليتها مخاطرة عدم سداد الدين من طرف الطرف الأول بسبب عدم قدرته على تسويق منتجاته، إلى منطق العلاقة الثلاثية الأطراف التي تتكون من طرف أول هو المنتج الصغير أو التعاونية أو المجموعة ذات النفع الإقتصادي والورشة التي سيقوم فيها بتثمين وتعبئة منتجاته، ومن طرف ثان هو شركة التعاضد والتسويق التي تضطلع بتعاضد مشتريات مستلزمات الإنتاج وبتسويق المنتوج وتحصيل مداخيل البيع، ومن طرف ثالث هو الأبناك ومؤسسات التمويل.
فبفضل هذه المقاربة الثلاثية الأطراف تتغير كل المعادلة وتتلاشى كل المخاطر سواء المتعلقة بتمويل وسائل الإنتاج أو التسويق أو تلك التي تتعلق بسداد الدين لمستحقيه، مما سيسمح باستفاذة متساوية لكل الأطراف المتدخلة في الإقتصاد التضامني، ذلك أن التعاونية سيتم تزويدها داخل الورشة التي هي منخرطة فيها، بوسائل إنتاج ذات جودة عالية وبأسعار معقولة، عبر آلية تعاضد المشتريات، مما سيرفع من تنافسية منتوجاتها النهائية، كما سيتم أداء مشترياتها من وسائل الإنتاج مباشرة من طرف شركة التعاضد والتسويق التي هي منخرطة فيها، قبل أن تتوصل بالنتيجة التجارية لبيع منتجاتها. مثلما أن شركات التعاضد والتسويق ستكون مطمئنة على برامج الإنتاج التي ستسوقها وطنيا ودوليا من خلال ضمان تسليم التعاونية لإنتاجها للورشة التي هي منخرطة فيها. وأخيرا فالأبناك ومؤسسات التمويل المختلفة ستضمن استرداد مستحقاتها عبر ضمانة كون أن الشركات التعاضدية والتجارية هي التي ستؤدي الدين من منبع البيع مباشرة.
مثلما أقترح موازاة مع النظام البنكي التقليدي، إنشاء بورصة وطنية مفتوحة أمام العالم، لعرض وطلب منتوجات الإقتصاد التضامني بكميات كبيرة كفضاء مالي سيدعم بقوة تمويل الشركات التعاضدية والتجارية الفاعلة في هذا الإقتصاد عن طريق ضمان سيولة كبيرة في الحصول المباشر والسريع على مداخيل المبيعات مما سيدعم خزينة التمويل لهذه الشركات وينعكس إيجابيا على مدة أداء النتيجة التجارية للمخرطين فيها.

* تحمل الدولة والجهات الاستثمار في بناء الورشات المحلية وتجهيزها بالآليات الضرورية والطاقات المتجددة

وإن كان الأمر هنا يتعلق أساسا بتمويل وسائل إنتاج الفاعلين في الإقتصاد التضامني عبر آلية جديدة تضمن الفعالية والمصداقية لهذه العملية فإنه فيما يخص تمويل استثمارات البنيات التحتية من بنايات وتجهيزات وطاقة متجددة لأوراش التثمين والتعبئة في مختلف جهات المملكة، سيكون على الدولة والجهات من خلال ميزانياتها وصناديق استثمارية وطنية وجهوية متخصصة، أن تضطلع بها في مرحلة أولى، على ان يتكفل الفاعلون في الاقتصاد التضامني في مرحلة لاحقة بتمويل استثماراتهم المستقبلية التي تدخل في إطار توسعة الاوراش أو تنويع ورفع القدرة الإنتاجية للتجهيزات.
وفي كل الأحوال فإن الأبناك ستجد دون أدنى شك ضالتها في الإقتصاد التضامني حين يتحول إلى قطاعات اقتصادية مؤهلة وتتوضح فيها الأدوار وتستجيب لشروط المبادرة الحرة الجمعية والفعالية الاقتصادية والربحية والحكامة الجيدة.

4 – كلمة ختامية

إنه سيتبين للجميع أن بلدنا يحتوي فعلا على ذهب بني بكل المقاييس سيكون فيه الجميع رابحا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا وسيعمل على الحد البنيوي من الهجرة القروية وعلى تقوية وتوسيع صفوف الطبقة المتوسطة في المدينة والبادية على حد سواء كهدف استراتيجي يتطلع إليه جلالة الملك.
ودون السقوط في أي تفاؤل مبالغ فيه ولا في توقعات غير متناسبة، أؤكد هنا أن نموذج الشركات التعاضدية والتجارية سيبرز كاختيار استراتيجي نوعي سيغري كل مقاولاتنا الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية، لما سيكون له من وقع كبير على الأداء الاقتصادي العام لاقتصادنا الوطني محليا ودوليا وعلى الفعالية الإنتاجية والتجارية والمالية لنسيج مقاولاتنا الوطنية.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici